هذا مضمون مقال اطلعت عليه من موقع "معابر" فأردت اشراك القراء في قراءته وإبداء الرأي حوله
يتألف هذا البحث من المواضيع التالية المطروحة على نحو تساؤلات:
1. ما هو مفهوم الثقافة؟
2. ما صلة الثقافة بالحضارة؟
3. ما الفرق بين الحضارة والثقافة من جهة والمدنية من جهة أخرى؟
4. ما العلاقة الخاصة بين الفرد والأمة والثقافات الأخرى المتنوعة؟
5. ما الركائز والمقومات الأساسية التي تجعل من الفرد كائناً حضارياً ومثقفاً ومن الأمة مجتمعاً حضارياً ومثقفاً؟
يمكنني أن أضيف إلى هذه المواضيع المطروحة على نحو تساؤلات، تساؤلات ثلاثة أخرى هي:
1. كيف يمكنني إقامة تأليف بين ثقافتي الخاصة والثقافات العالمية المتنوعة؟
2. ما قيمة الثقافات التي اطلعت عليها، وتفهَّمتها وزرعتها في كياني إن هي حافظت على انفصالها دون اتصالها، وظلت مصدر صراع داخلي وتجزئة في شخصيتي؟
3. هل أستطيع أن أكون عالمي النزعة الثقافية والحضارية، وأوحّد فروع المعرفة في داخلي إن كنت عاجزاً عن إقامة تأليف بينها يجعلها تتكامل، أو تنسجم أو تتحد لتنشئ مني شخصية متوازنة، محبة وواعية.
يبدو لي أن الوحدة التي نعزوها إلى وحدة الفكر الإنساني المتنوع في تعدُّدات معرفته وثقافته تكمن في الاتّصالية التي نُحدثها بين التنوُّعات العديدة، وفي التأليف الذي ننشئه بينها. ويبدو لي أيضاً أن اندحار وحدة الفكر الإنساني ينتج من عدم القدرة على التوفيق بين التنوع الثقافي القائم، الأمر الذي يؤدي إلى الصراع والنزاع، وإلى التناحر الحضاري والاحتضار الفكري.
يجدر بي، قبل الإجابة عن هذه التساؤلات الموضحة، أن أحاول سبر العمق المتضمن في كلمة "الثقافة".
في هذا السياق، ترتبط كلمة الثقافة ارتباطاً معنوياً بكلمة الحضارة، والحضارة، في هذا السياق ذاته، مفهوم يتجاوز، في مضمونه وجوهره، مفهوم المدنية. وإذا كنا نسعى إلى إحداث تمييز بين المفهومين، قلنا:
- الحضارة تقدم وازدهار نفسي، ورقي فكري وإنساني.
- المدنية تقدم تقني ومادي.
في سبيل توضيح التمييز الظاهري بين المفهومين، نعمد إلى تقديم المثال التالي:
كان كل من فيثاغوراس وابن سينا متحضراً ولم يكن متمدناً. وعلى الرغم من أن كلاً منهما لم يسافر في القطار الكهربائي الحديث، ولم يستقل الطائرة في تنقُّلاته، لكنه كان متحضراً ومثقفاً. وإن كنت، أنا من أحيا في نهايات القرن العشرين، أعتقد بأنني أتميز بما تقدمه لي التقنية الحديثة من وسائل وأدوات وأجهزة، لكني لا أضع نفسي في المستوى الحضاري والثقافي الذي تسنّم فيه فيثاغوراس أو ابن سينا درجة عليا. فقد يكون أحدهما أكثر حضارة وثقافة مني، وأكون أكثر مدنية منه. أما إذا توافقت الحضارة والمدنية في تناغم وانسجام، أو في تكامل ضمني، دلّ الأمر على رقي الكائن البشري. هذا لأن المدنية، في هذه الحالة، تتقدم في وفاق مع قيم الحضارة والثقافة. والحق أن طغيان المدنية التقني ونزعتها إلى الإفلات من توجيه الحضارة وإرشادها، حالة تشير إلى خلل في التوازن وإلى اندحار الثقافة الإنسانية وسيطرة العقل التقني وحده.
عندما نتأمل ماضي البشرية وحاضرها، نعاين ثقافات عديدة تُعَدُّ روافد تصب في نهر الثقافة الإنسانية الواحدة. والحق أن الأمم، قديمها وحديثها، زوّدت، ومازالت تزود، هذه الثقافة الإنسانية الواحدة بما تقدمه أو بما قدمته من حضارة تمثلت بعلمها ومعرفتها. وتمثل الثقافات والحضارات العديدة باقة من الزهور أو الورود المتنوعة التي يتألق جمالها في انسجام تنوعها.
عندما نتعمق في دراسة الحضارة، نجد أن الروح الإنسانية، عبر تنوُّعاتها الثقافية، تعبّر عن حقيقتها الواحدة في التنوع. لذا، تمثل كل حضارة أو ثقافة مشعلاً ينير السبيل الذي اتخذته تلك الحضارة أو الثقافة وهي تسعى إلى تحقيق المثال الكامن أو المتضمن في جوهرها، المثال الذي يشير إلى وحدة الإنسانية عبر التيارات العديدة للروح الإنسانية في التاريخ العام والخاص.
أتساءل: كيف أتصور الإنسان الحضاري أو الأمة الحضارية؟
الأمة التي تحمل مشعل حضارتها، وتضيء شعلة الوحدة الإنسانية، وتجعلها مزية خاصة بها هي أمة حضارية وثقافية. الأمة التي تجعل من ذاتها رافداً لنهر الحضارة الإنسانية هي أمة تتميز بالثقافة والوعي. الأمة التي تدرك الدور الذي تقوم به في نطاق الإنسانية هي أمة حضارية. الأمة التي تعلم أنها ناقلة أو حاملة لمثال إنساني واحد، عبر خصوصيتها، وتدرك أن عظمتها تكمن في تحقيق دورها الحضاري والثقافي ونقله، كتراث عام، إلى أمة أو أمم أخرى، هي أمة حضارية. الأمة التي تدرك أن الاحتفاظ بالمشعل الحضاري والثقافي لذاتها تصرّف يؤدي إلى انطفاء المشعل المضيء وسيادة الظلام هي أمة حضارية. الأمة التي تضيف إلى ألق مشعلها إضاءات المشاعل السابقة، أو تضيف ألقاً جديداً إلى هذا المشعل هي أمة حضارية... إنها أمة تسعى إلى تحقيق ثقافتها الفردية الخاصة من خلال مشاعل أو روافد الثقافة الإنسانية الواحدة التي تتلألأ بالمشاعل المضيئة، وتحمل إرثاً إنسانياً واحداً. وإن ما ينطبق على الأمة ينطبق أيضاً على الفرد، وذلك لأن الفرد يستقي من مناهل ومصادر وأصول ثقافة أمته التي تحمل مشعل الحضارة أو الحضارات الإنسانية الغابرة.
يمكنني أن أقول: إن كل حضارة أو ثقافة تمثل نقطة تنطلق منها مكوِّناتها، أو سماتها ومقوِّماتها، وتتجه إلى دائرة هي ملتقى هذه المقومات والمعالم، تماماً كما تتجه ألوان قوس قزح رجوعاً إلى الموشور لتلتقي في النور الصافي الذي يوحِّد الألوان في حقيقة واحدة لا لون لها. وتمثل كل حضارة أو ثقافة شعاعاً أو لوناً ينطلق من موضعه ليتحد مع الإشعاعات الأخرى المنطلقة من مراكز أخرى في وحدة فكرية شاملة.
أستطيع أن أشبِّه المثال الإنساني الواحد والتنوع الثقافي الحضاري بالمحيط الذي تتبخّر مياهه لتسقط أمطاراً على اليابسة وتشكل الأنهار العديدة، الصغيرة والكبيرة. وعندما تتشكل الأنهار، تحمل أسماء، وتُعرف بمقاديرها وأحجامها وحدودها. ولسوف تفقد أسماءها ومقاديرها وحدودها في اللحظة التي تصب في المحيط... إنها انطلقت من المحيط، وشكَّلت وجوداً مستقلاً وخاصاً بها، وحملت تراثها، وعادت إلى المحيط الواحد.
أتساءل أيضاً: كيف أؤكد أن الثقافات، بألوانها كلها تعبيرات عن ثقافة إنسانية واحدة؟ وكيف تكون معالم الفكر المتنوعة ترجمة لثقافة إنسانية واحدة؟ كيف يكون الإنسان مثقفاً ومتحضراً؟
أولاً - العقل العام المشترك:
يمكنني أن أتحدث عن وجود عقل عام هو شعور إنساني وإحساس كلّي مشترك، أو عقل مشترك. والحق أن جميع الناس يشتركون بهذا العقل العام الشامل: جميع الناس يشعرون؛ جميع الناس يحسّون؛ جميع الناس يهتمّون؛ جميع الناس ينتبهون؛ جميع الناس يتخيلون ويتصورون؛ جميع الناس يتميزون بالذكاء على نحو ما؛ جميع الناس يتذكرون؛ جميع الناس يتداعون؛ جميع الناس يبدعون؛ جميع الناس يفكرون ويعقلون؛ جميع الناس يشتركون بقوانين ومبادئ طبيعية واحدة.
يشير هذا الاعتراف النظري بالعقل العام المشترك بين الناس إلى إسهام البشرية قاطبة بمعطيات واحدة؛ ويشير الاعتراف الواقعي العام والمشترك إلى أنواع التفكير الحاصلة عنه. وإذا كانت حقيقة الواقع تؤكد وجود قاسم مشترك بين عقول أبناء البشر، أدعوه العقل العام المشترك، فإن هذه الحقيقة ذاتها تؤكد تنوُّعات التعبير الفكري والشعوري والثقافي والحضاري لهذا العقل المشترك الذي يمثل الخلفية التي تنطبع عليها.
ثانياً - وحدة القياس الإنساني:
لما كان العقل الإنساني الواعي يسعى إلى إقامة وحدة قياس عامة يستخلصها من التنوُّعات الثقافية، ليتجنب فوضى التعميم، فإنه يبغي الوصول إلى قانون واحد، جامع، أو قاعدة مشتركة، أو خلفية واحدة تتوطد عليها ظاهرات وحدة الفكر الإنساني. لذا، يتجه هذا العقل الواعي إلى دراسة الإنسان ذاته الذي يعد القياس الأساسي والوحيد لكل شيء، أو المعيار الجوهري للوحدة الإنسانية. إذ يدرس الإنسان الواحد، يدرك وحدة القياس البشري، ويتأكد من وجود معيار واحد لجميع البشر هو وحدة العقل، ووحدة النفس، ووحدة التكوين الجسدي… إنه يدرك وجود الإنسان الواحد في جوهره المتنوع في وسائل تعبيره.
ثالثاً - العقل الانتقائي أو التلفيقي:
يتميز العقل الانتقائي بأنه عقل تكاملي، تأليفي وتوحيدي؛ ويسعى هذا العقل إلى وحدة التقييم والمعايرة: إنه عقل يؤلِّف أو يوحِّد التيارات العديدة في ذاته ليشاهد هذه الحقيقة الواحدة في وقائعها الكثيرة، والإنسان الواحد في أنواعه، والإنسانية الواحدة في تنوُّعاتها البشرية. والحق يقال إن العقل الانتقائي لا يجد خلاصاً للعالم في ثقافة واحدة خاصة، أو في حضارة واحدة، أو في عقيدة واحدة تدَّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.
يشبَّه العقل الانتقائي بحديقة واسعة تُزرع فيها زهور وورود العالم كلها. وفي هذه الحديقة، تجتمع تنوُّعات الأزهار والورود وتُبقي هذه الحديقة على وجود فُسحة قابلة لاحتواء نوع جديد من الأزهار أو الورود يُضاف إلى التنوُّعات المتوافرة. وتُفصح هذه الحديقة الشاملة عن حقيقة هي أن جمال التنوع أكثر روعة وبهاء من جمال التفرُّد. وهكذا، يعتمد العقل الانتقائي المثقَّف، في جوهره، على أساسين:
أولهما – هو أن الحقيقة الإنسانية الشاملة أو الكلية ليست حكراً لمبدأ واحد، أو عقيدة واحدة أو حضارة أو ثقافة واحدة أو شعب واحد.
ثانيهما – هو أن الفكر أو الثقافة المؤلفة من أنواع الأفكار والثقافات المنتقاة، والمكوَّنة من تنوُّعات التجربة الإنسانية وخبرتها، تتلألأ بجمال رائع أخاذ وبهاء خلاّب.
يتأمل العقل الانتقائي مبادئ العالم كلها، بتياراتها الفكرية والثقافية العديدة، فيختار منها، بوعي عميق وغير متحيِّز، ذلك المبدأ الذي ينسجم مع جوهره الكلِّي وقاعدته الشمولية، ويؤلف مما يجمعه باقة فكرية وثقافية متنوعة تزهو بجمالها وروعتها. وهكذا، يُطِلُّ العقل الانتقائي على جميع التيارات الثقافية، يدرسها بوعي عميق ومنفتح، وينتقي، ويؤلف ويوحِّد. ومع ذلك، يحتفظ العقل الانتقائي بكيانه المبدئي، ووجوده الثقافي الخاص الذي لا يتناقض، إلاّ ظاهرياً، مع الوجودات الثقافية الأخرى.
رابعاً - العقل المنفتح:
يّعَدُّ العقل المنفتح عقلاً حضارياً وثقافياً وانتقائياً وتأليفياً، يتميز بصفة التحمُّل. وبكلمة التحمُّل، أقصد ذلك الموقف العقلي الواعي إزاء التيارات الفكرية والثقافية الأخرى. وهكذا، يُعَدُّ العقل المنفتح عقلاً يتميز بصفة البحث عن الحقيقة في كل شيء وكل ظاهرة. والحق أن هذا البحث عن الحقيقة المختبئة في جوهر الأشياء والمبادئ تكسبه صفة الانتقاء التي تُمِدُّه بالقدرة على رؤية حقيقته في الحقائق الأخرى أو في بعض مضامينها. إنه عقل غير مشروط بفردية ذاتية، أو بخلفية جامدة وصلبة... إنه عقل شمولي، محب وباحث.
هكذا يتعايش العقل المنفتح، فرداً كان أم جماعة، مع العقول الأخرى التي تحظى بحقيقة أو بنسبة فيها، وتُعتبر مشاعل تضئ طريق البشرية. وعندما يتأمل هذا العقل المنفتح مواطن الجمال في المبادئ الأخرى، أو أنواع التعبيرات الفكرية والثقافية، يجد أنها تشير إلى الحقيقة وذلك لأنها إشعاعات أو سُبُل تؤدي، في نهاية المطاف، إلى دائرة الحياة الجامعة والشاملة.
خامساً - تمثُّل الماضي على نحو عرفان وحكمة:
يتجه المجتمع الحضاري والثقافي الذي يسعى إلى الخلاص من قيوده أو معوِّقاته وإلى تجاوز إشراطاته إلى ماضيه ليستشف منه الحكمة والعرفان وحدهما. ويشير هذا الاتجاه إلى دراسة الماضي بدقة وإلى تفهُّم الأسرار العميقة القائمة فيه، وذلك لكي يتسامى على كل ما هو سطحي وعادي. ولما كنا نسعى إلى إدراك المغزى الثقافي والحضاري والعلمي والروحي القائم في الماضي فإنما لنرى العرفان الذي بلغه الأسلاف، وبنوا حضارتهم على أساسه. وهكذا، لا يحتجز المجتمع الحضاري ذاته في قوقعة الماضي وإشراطاته التي لا تقبل التطور والنمو والتقدم.
سادساً - تجاوز الماضي المشروط :
تحدثت في الفقرة السابقة عن العودة إلى الماضي. ويمكننا أن نشبه هذه العودة إلى الماضي الاجتماعي الغابر بالنظرة التأمُّلية الفاحصة التي يلقيها الإنسان على نفسه هادفاً إلى تجاوز الأخطاء التي اقترفها سابقاً، وساعياً إلى إعادة تقييم كيانه. وهكذا، يعود العقل المنفتح إلى الماضي لكي يتجاوزه، بعد أن يكون قد انعتق من إشراطاته، واكتشف مقوِّمات حكمته وعرفانه.
سابعاً - إعادة النظر في الطروحات الفكرية السابقة:
تتحقق إعادة النظر، كما يتحقق التقييم الجديد من خلال عقل مكوِّن ومنفتح. فالعقل المكوِّن يعدِّل العقل المكوَّن الذي نشأت عليه الجماعة أو الفرد. وكما أن العقل المكوِّن الفردي يعدِّل من جديد ما دخل في صميم العقل المكوَّن من إشراطات وانفعالات، كذلك يعيد العقل المكوِّن إنشاء العقل الجماعي المكوَّن الذي أسس قاعدته على مغالطات الماضي. وفي الوقت ذاته، يعدِّل العقل المنفتح الانغلاق الناتج عن العقل المكوَّن، بحيث إن اللاوعي التجمُّعي المتراكم يخضع لمحاكمة جديدة تنأى عن الانفعال. ولا يتوقف العقل المنفتح عند هذا الحد، بل يتجاوز عملية تعديل الماضي وإجراء محاكمة جديدة إلى اقتباس التجارب والخبرات الإنسانية الأخرى التي استفادت منها الشعوب الأخرى والأفراد الآخرون، وذلك من أجل الدخول إلى نطاق العالمية والشمول. ومع ذلك، لا يتخلّى العقل المنفتح عن الشخصية التي كوَّنها العقل المكوِّن خلال العصور الماضية. وبالإضافة إلى ذلك، يواظب العقل المنفتح على إحياء عملية التعديل لكي يحقق شمول كيانه. وعندئذ يمكننا أن نقول: إن العقل المكوِّن هو عقل منفتح، يستطيع أن يعيد النظر في أكثر الثوابت الفكرية والعقائدية التي تبنّاها العقل المكوَّن.
ثامناً - تقويم التاريخ العام:
يشير مصطلح التقويم العام إلى الروايات المنقولة التي تتحدث عن الماضي، وإلى الأحداث والمعلومات التي تتلقاها الأجيال الناشئة، وتتأثر بما جاء فيها. ولا نبالغ إذا قلنا بأن تلك المعلومات تصير عقلاً مكوَّناً أو وقائع ثابتة يصعب أن تقبل الاعتراض عليها أو التعديل. ولما كنا نتبنى مبدأ التعديل فإن الجماعة تسعى، أو الفرد يسعى، إلى تقويم أحداث التاريخ العام التي تخلَّلتها الأخطاء، ودُوِّنت على نحو انفعالي. وإذا كانت وقائع التاريخ العام قد دُوِّنت، في غالبيتها، وفق رغبات وانفعالات فئة معينة، فلابد أن تكون مشحونة بأخطاء عديدة وانحرافات كثيرة. وفي هذا النطاق، نرى من واجبنا أن نميز بين التاريخ المعلَن الذي يسرد روايات ويروي أحداثاً قد تكون خاطئة أو مغلوطة، وبين التاريخ الذي دوَّنت أحداثه فئة أرادت أن تتحدث عن الحقيقة في جوهرها، فظل تاريخاً غير معلَن، لا يسبر عمقه إلا أهل العرفان والحكمة. والحق إن الإنسان المثقف الذي يتعمق في دراسة التاريخ العام يدعو إلى كتابته من جديد بعقلانية مكوِّنة ومنفتحة.
تاسعاً - تنشيط الطاقة:
يتمثل تنشيط الطاقة، أو فاعلية الطاقة، بدأب متواصل لإطلاقها من غلافات وإشراطات المجتمع القديم. وهكذا، تقف فعالية الطاقة الإنسانية مقابل عطالة الجبرية، بحيث تكون هذه الفعالية حرية تهدف إلى المزيد من الوعي والشمول ومسؤولية نشاهد من خلالها أخطاءنا. وإن اختزال هذه الفعالية إلى مفهوم جبري قضية تعني بقاء الطاقة ساكنة لا تحقق ديناميّة حركتها ووجودها الذاتي. والحق، إن تنشيط الطاقة مفهوم يشير إلى ديناميّة داخلية لا تستمد حركتها المتنامية من خارجها فقط. وعلى غير ذلك، تتطلع الجبرية التي تنزع إلى حتمية صارمة إلى حركة تأتيها من محرِّك خارجي. وهكذا، يرى المثقف تطور المجتمع أو الفرد في ديناميّته الكامنة في طاقة قادرة على تنشيط ذاتها من خلال حركة ذاتية داخلية.
عاشراً - فلسفة الحضارة والثقافة:
يتركز مفهوم الحضارة والثقافة في الطاقة البشرية الفاعلة، وفي تنشيط دائم ومثابر للقدرة العقلية والنفسية. ولئن كانت الحضارة تعتمد، في ، على معطيات الطبيعة والبيئة من ماء ومناخ وأرض زراعية خصبة، لكن العنصر البشري "المتحدي"، وفق ما يذكر توينبي، هو العنصر الفاعل في مضمار التقدم والازدهار. والحق، إن العنصر البشري يشتمل على ما هو أبعد من المقوِّمات المادية أو الطبيعة المذكورة: إنه يشتمل على العقل المكوِّن والعقل المنفتح والفعالية الناشطة التي "تتحدى" عناصر وجودها. وبالفعل، تنحسر الحضارة في الوقت الذي ينحسر العنصر البشري والفعالية الناشطة. وعلى هذا الأساس، لا يتميز العقل السلفي، أو العقل المكوَّن، وفق معطيات التاريخ الماضي المبلَّغة، بحضارة وثقافة.
حادي عشر - الثقافة والدولة:
لما كانت الدولة الصورة المثلى للمجتمع، فإنها تحتوي، في ذاتها، جميع الفعاليات والإمكانات. وتأبى هذه الفعاليات تنشيط ذاتها في ظل الفردية. وفي هذا الوضع، يعجز المجتمع عن تمثُّل ذاته في دولة أو حضور ثقافته في إطار جامع وشامل. وعلاوة على ذلك، يعجز المجتمع عن تشكيل دولة في ظل تاريخ لم يعبّر عن وجود مفهوم الدولة، وهي النطاق الذي يتحول فيه العمل الفردي إلى نفع اجتماعي. إذن، فالفرد أو المجتمع الذي لا يرسم لذاته صورة ثقافية وحضارية ضمن إطار الدولة، هو مجتمع ينتمي إلى تقاليد عنصرية أو عرقية، أو مذهبية، أو قبلية، أو عشائرية، أو عائلية، أو طبقية، وإلى أعراف وطقوس تنأى به عن حقل الثقافة والحضارة. وفي هذه الحالة، يعجز عن تكوين الدولة وهو مازال عالقاً بشبكة فرديته التي ترتسم على صفحة الانتماء إلى الطقوس التي تسلب مفهوم الحضارة والثقافة حقيقته.
تلكم هي العناصر الأساسية التي تساعد على تكوين الإنسان المثقف والحضاري... الإنسان الذي يضمِّن مدنيته في ثقافة وحضارة.
اثنا عشر - الفرق بين المتعلم-الجاهل والمتعلم المثقف:
منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً قرأت مقالة انضوت مضامينها تحت عنوان "جهل المتعلّم". وقد أفادتني تلك المقالة في معرفة أن الجهل يرافق المتعلِّم الذي لم يجعل من علمه ثقافة تتمثل في رقي حضاري وإنساني، وأبقى علمه هذا متحجراً في قوقعة الأنا المتملِّكة، غير المسؤولة، التي تسعى إلى مصلحتها الذاتية، وتقوِّم كل شيء آخر بمقياس محدوديّتها التي تركِّزها في مهنتها. في تلك المقالة، لم أجد ما يشير إلى جهل المثقف، أو إلى جهل المتعلِّم المثقف. وقد دفعتني قراءة تلك المقالة إلى استهلال البحث عن الفرق أو الاختلاف القائم بين الإنسان المتعلِّم لمجرد التعلُّم وبروز الأنا المغلقة والإنسان المتعلِّم والمثقف لمجرد المعرفة والوعي والحكمة.
أدركت أن الفرق أو الاختلاف بين المتعلِّم-الجاهل والمتعلِّم-المثقف، الواعي، الباحث عن حقيقة نفسه ومعنى وجوده، قائم في الاختلاف الناشئ بين الإنسان الناجح والإنسان العظيم. علمت أن "السبب" الذي يدفع الإنسان إلى التعلُّم يؤدي إلى النجاح، وأن "الغاية" التي تدعو الإنسان إلى التعلُّم تؤدي به إلى العظمة الكامنة في المعرفة والوعي.
استطعت أن أميز بين الإنسان المتعلِّم وبين الإنسان المثقف في الإجابة اللازمة عن سؤال هام هو: لماذا نتعلَّم؟
تشير الإجابة إلى التمييز الدقيق بين السببية والغائية. فإذا كان النجاح ناتجاً عن السبب الدافع إلى التعلُّم، كان الإنسان متعلِّماً يحصر علمه في نطاق مصلحته الخاصة دون أن يهتم بمصلحة الآخرين، أو بنفعهم وخيرهم، ودون أن ينظر إلى وضعهم الاجتماعي أو يقدِّر إنسانيتهم، أو معرفتهم أو وجودهم. هذا، لأن جميع الناس، وجميع الأشياء، في رأيه، قد وُجِدوا ليدوروا في فلك علمه ونجاحه… إنه إنسان يأخذ أكثر مما يعطي. وإذا كان الوعي أو الحكمة أو العظمة تمثِّل الغاية التي يهدف إليها الإنسان من التعلُّم، بحيث إنه لا يجعل من علمه سبباً للنجاح بل دعوة لتحقيق غاية سامية، وخدمة الإنسانية، وشعور حقيقي بالوجود، أو بناء شخصية متماسكة ومتكاملة، ندرك أنه كائن عارف يمد أبعاده إلى جميع الناس، ويحترم مشاعرهم، ويعتبر أوضاعهم المهنية والاجتماعية، ويتعمق في مضمون المعارف كلها، عندئذ ندرك أنه كائن متعلِّم ومثقف وحضاري… إنه إنسان يعطي أكثر مما يأخذ.
لم أجد في تلك المقالة ما يشير إلى "جهل المثقف" أو إلى جهل المثقف في عمله. هذا، لأن الإنسان العظيم، الواعي، يجعل من علمه ثقافة تستند إليها الحضارة. إنه، بالإضافة إلى علمه الخاص، المتحوِّل إلى مهنة، يهتم بالعلوم الأخرى، وبالاتجاهات الفكرية الأخرى، وبالمفاهيم الإنسانية الأخرى، ويعتبرها ويسعى إلى فهمها، ولو على نحو نسبي، ويمتد بثقافة علمه ومهنته إلى ثقافة علوم الآخرين ومهنهم. وعلى غير ذلك، وجدت في تلك المقالة ما يشير إلى جهل المتعلِّم الذي يقلِّص نفسه إلى محدوديّة علمه الخاص. ويكمن جهل هذا المتعلم في ادعائه بعلمه الذي حرفه إلى مهنة، وفي افتخاره بجهل معلومات ومعارف أخرى لا ترقى إلى مستواه العلمي، ويزعم أنها لا تمتّ إلى علمه أو مهنته بصلة. فقد يكون طبيباً، أو غير ذلك، يجهل الكثير عن الموسيقى الراقية أو الفن الرائع، أو يأبى أن يتخذ أصدقاء له إلا ممن كانوا من نوعه أو مستوى علمه أو نوعيته. ويُحتمَل أن لا يعبأ المتعلِّم-الجاهل بأمور مجتمعه، وذلك لأنه يلوِّن جميع الأشياء بلون علمه ومهنته؛ ويُحتمَل ألا يعرف سوى القليل عن محيطه وبيئته وجيرانه الذين يشاركونه السكن في البناء الذي يقطنه؛ ويُحتمَل أن يجهل، أو لا يعرف سوى القليل، عن لوحة فنية دفع ثمنها غالياً وعلّقها في صدر منزله؛ ويُحتمَل أن يملأ مكتبة منزله بالكتب الفخمة والموسوعات المتقنة، بينما يجهل مضمونها، أو يعلم القليل القليل عن بعض المواضيع. هذا، لأنه لم يطّلع على أية معلومة فيها، ولم يسع إلى العمق في المعلومة، فظل علمه بها على السطح… إنه جاهل بما يضيفه إلى ذاته… يفتخر بما يملك، ويجهل ما يمتلك… إنه جاهل-متعلِّم، وليس متعلِّماً-مثقفاً.
في دراسة وضعها برنارد شو لتكون دليلاً اجتماعياً وفكرياً وإنسانياً للمرأة الذكية، أدركت أن برنارد شو سعى إلى أن يجعل من المرأة الذكية امرأة مثقفة. فهو يرى أن المرأة الذكية هي تلك التي تهتم، بالإضافة إلى عالمها المنزلي وعملها المهني وأنوثتها الجميلة، بالأمور الاجتماعية، وتتفهم العوامل التي تؤدي إلى تحسين المجتمع وتطويره. إنها امرأة مشاركة بقضايا مجتمعها وحقيقة إنسانيتها. ومثل هذه المرأة الذكية-المثقفة تعلم أنه لا يليق بها أن تجهل ما يجري في المجتمع وفي العالم من أحداث اقتصادية واجتماعية وفكرية وفنية وإنسانية. هذه المرأة الذكية المثقفة تتجاوز معرفتها بجميع أو بمعظم أنواع العطور وأدوات الزينة، إلى معرفة القضايا الإنسانية.
هكذا، نرى كيف يكون الإنسان، رجلاً كان أم امرأة، مثقفاً وحضارياً يتميز بموقف مشارك، كلِّي وشامل، بالأمور والقضايا التي تحيط به، وبسلوك إنساني أصيل إزاء جميع الناس، باختلاف أنواعهم وأعمالهم، وبتفهُّم واعٍ للمعنى المتضمن والمغزى الكامن في ثقافة علمه وعمله، وبإدراك يشير إلى تجرد علمه من ذاته الفردية فقط، وانتماء ثقافة علمه إلى الجماعة الإنسانية المتمثلة بالمجتمع وبالبشرية على حد سواء.
يأتي لاحقا الحديث حول موضوع الحضارة والثقافة والمواطنة مع عرض مقالات أخرى في نفس السياق لإثراء الموضوع الذي أراه حريا بالاهتمام
************************
المواطنة والهوية
أ.د. جعفر شيخ إدريس
مجلة البيان العدد 211 ربيع الأول 1426 هـ
المواطنة انتساب جغرافي، والهوية انتساب ثقافي. المواطنة انتساب إلى أرض معينة، والهوية انتساب إلى معتقدات وقيم ومعايير معينة.
فما العلاقة بينهما؟ نذكر فيما يلي أمثلة للعلاقات بينهما، وللمشكلات التي تثيرها هذه العلاقات، فنقول:
- الهوية لازمة للمواطنة؛ لأن المواطنين لا بد لهم من نظام سياسي، وعلاقات اقتصادية واجتماعية، وقوانين تضبط هذه العلاقات. وكل هذا إنما يبنى على معتقدات وقيم ومعايير؛ أي على هوية معينة.
- ليس الوطن الذي ينتسب إليه المواطنون هو الذي يحدد لهم نوع الهوية التي إليها ينتسبون. فالوطن الواحد قد تتعاقب عليه نظم مختلفة بل ومتناقضة. فالروس كانوا مواطنين روساً، حين كانوا ينتمون إلى الاتحاد السوفييتي، وحين كان نظامهم الاقتصادي اشتراكياً، وكان نظام حكمهم دكتاتورياً، وهم الآن مواطنون روس بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وبعد حلول الرأسمالية محل الاشتراكية، والديمقراطية محل الدكتاتورية.
- فالهوية إذن هي النظارة التي يرى من خلالها المواطنون ما هو مناسب أو غير مناسب، صالح أو غير صالح لوطنهم. فإذا اختلفت النظارات اختلف تقويم الناظرين إلى ما ينظرون إليه، وإن اتفقوا على الحقائق الحسية.
- وإذا صح هذا فإن المواطنين مهما كان إخلاصهم لوطنهم وحرصهم على مصلحته لا يمكن أن ينظروا إلى تلك المصلحة باعتبارهم مواطنين فقط، بل لا بد أن ينظروا إليها بحسب هوياتهم. لكن بعض الناس يتوهمون أنه بإمكان المواطنين في بلد ما أن يحلوا مشكلاتهم بمجرد انتمائهم الوطني. فيقولون مثلاً: لماذا لا نجلس باعتبارنا سودانيين فقط أو سوريين فقط، أو يمنيين، أو خليجيين، أو مصريين، وننسى انتماءاتنا الدينية والأيديولوجية لنحل مشكلة من مشكلاتنا الاقتصادية؟ نعم هنالك مشكلات يمكن أن يحلها الناس حتى باعتبارهم بشراً، ودعك من أن يكونوا مواطني دولة من الدول، ولكن ما كل المشكلات كذلك، وإلا لما انتمى الناس أصلاً إلى ثقافة من الثقافات، بل نظروا إلى كل مشكلة باعتبارهم بشراً لا غير.
خذ مثلاً مشكلة (مرض الإيدز): إن الناس سيتفقون باعتبارهم بشراً وبغض النظر عن انتماءاتهم الوطنية بأنه شيء ضار؛ لأنه خطر على حياتهم وحياة أولادهم، وهم باعتبارهم بشراً حريصون على الحياة. هل يتفقون على طريقة معالجته؟ ليس بالضرورة؛ فقد يقول المتدينون ـ مسلمين كانوا أو يهوداً أو نصارى ـ إن العلاج الحاسم إنما يكون بالكف عن أية ممارسة جنسية قبل الزواج. وقد يذهب المسلم إلى القول: إن هذا يستدعي فصل الرجال عن النساء، وإلزامهن بزي معين لا يكون مثيراً للرجال. ولكن أناساً من غير المتدينين قد يرون في مثل هذه الاقتراحات حداً من الحرية، وهي في نظرهم أمر ضروري ضرورة العفة التي ينشدها المتدينون؛ ولذلك يرون الاكتفاء بالبحث عن علاج طبي لا سلوكي.
وخذ قضية أخرى يواجهها كل البشر: (كيف تكون العلاقة الجنسية بينهم؟) هل تكون إباحية يقضي كل فرد منهم حاجته مع من شاء كيف شاء؟ هل يتزوجون؟ وهل يكون الزواج بواحدة أم أكثر؟ وهل هنالك حد لهذا الأكثر؟ هذه قضايا لا يحلها الناس بمجرد انتمائهم الوطني؛ لأنه ليس في هذا الانتماء ما يهديهم إلى خيار من هذه الخيارات، أو يفرضه عليهم.
لا بد للمواطنين إذن من هوية، من ثقافة تكون هي المنظار الذي ينظرون به إلى الواقع، والمعيار الذي يقترحون به الحلول لمشكلاته.
ولكن ماذا إذا كان المواطنون في البلد الواحد منقسمين إلى ثقافات، وهويات مختلفة؟ هنالك عدة احتمالات:
- أحسنها من حيث الاستقرار وعدم التنازع: هو أن تكون إحدى هوياتهم هذه هي الغالبة من حيث عدد المنتسبين إليها. قيّدتُ الحسن بالاستقرار السياسي، وعدم التنازع ولم أقُلِ التطور العلمي، أو الاقتصادي، أو العسكري؛ لأن الهوية التي استقر أمرهم عليها قد لا تكون بطبيعتها مساعدة على ذلك.
- وإذا لم تكن هنالك هوية غالبة بهذا المعنى فقد يكون المنتمون إلى إحدى الهويات أقوى من غيرهم؛ فيفرضون على البلد هويتهم، وينظمون أمره على أساسها. هذا سيكون بالطبع على حساب بعض الحريات، لكن هذه الأدلجة المفروضة بالقوة قد تكون مساعدة على تطور البلاد اقتصادياً وعلمياً وعسكرياً، كما كان الحال في الاتحاد السوفييتي، وكما هو الآن في الصين، وكوريا الشمالية.
- وإذا لم يحدث هذا ولا ذاك، وكانت الهويات والثقافات المتعددة متساوية في قوتها فأمام مواطنيها خيارات:
- فإما أن يحلُّوا نزاعهم بتقسيم وطنهم، كما حدث للهند حين خرجت منها باكستان، ثم خرجت بنجلادش من باكستان، وكما خرجت ارتريا من أثيوبيا، وكما انقسمت تشيكوسلوفاكيا، ويوشك أن تنقسم الآن أوكرانيا.
- وإما أن يبحثوا عن صيغة يتعايشون بها رغم اختلافاتهم؛ فماذا يا ترى يمكن أن تكون هذه الصيغة؟
يرى بعضهم أن أحسن طريقة لتعايش مثل هذه الهويات المختلفة: هو أن تختار نظاماً علمانياً محايداً بينها، وديمقراطياً يعطى كل واحد منها حق الوصول إلى السلطة، إذا ما اختارته الأغلبية.
لكن المشكلة أنه لا يوجد نظام للحكم محايد بين هويات مختلفة اختلافاً أساسياً، ويستحيل عقلاً أن يوجد. لا يمكن أن يكون النظام الاقتصادي في البلد الواحد رأسمالياً واشتراكياً، ولا يمكن أن يكون اقتصاد السوق رأسمالياً يبيح الربا، وإسلامياً يحرمه ويفرض الزكاة، لا يمكن أن يكون النظام السياسي إسلامياً يلتزم بشرع الله باعتبار أن الحكم التشريعي له سبحانه، وديمقراطياً يعطي هذا الحق للبشر يشرعون ما شاءوا؛ فالعلمانية هي نفسها إذن هوية من الهويات، فأنّى تكون محايدة بينها؟
ومن المتفق عليه بين منظِّري الديمقراطية من الغربيين، ودعك من عوام السياسيين من أمثال بوش: أن الديمقراطية لا تصلح ولا تكون سبباً للاستقرار إلا في إطار متفق عليه بين معظم المواطنين، ثم تكون خلافاتهم الثقافية خلافات فرعية داخل هذا الإطار العام الجامع. وأما إذا كانت الخلافات أساسية، وحول الإطار نفسه فإن الديمقراطية لن تحل إشكالاً، ولن تحقق استقراراً؛ لأنه لا أحد من المتنازعين سيقبل حلاً لمجرد أن الأغلبية التي يختلف معها قالت به.
ما الحل إذن؟ الحل في مثل هذه الحال: هو أن يجتمع المختلفون، ويبدؤوا بتقرير المبدأ الذي هم متفقون عليه: أنه من مصلحتهم جميعاً أن يبقوا في وطن واحد، ثم ينظروا إلى الكيفية التي يحققون بها هذا الهدف، من غير تقيد سابق بديمقراطية، ولا علمانية، ولا غير ذلك من النظم والأيديولوجيات الشائعة، بل يقولون: هذه أوضاعنا، وهذه خلافاتنا؛ فلنبحث عن حل أصيل لها ومتناسب معها، وهو حل يستلزم ـ ولا بد ـ قدراً من التنازلات والمساومات، وقد يكون شيئاً جديداً يستفيد من الدين ومن التجربة الديمقراطية، أو العلمانية، أو غيرها، ولا يأخذ أياً منها بكامله. هذا ما حاول فعله واضعو الدستور الأمريكي؛ فبالرغم من أن الولايات المتحدة تعد اليوم مثالاً للديمقراطية؛ إلا أن الذين وضعوا دستورها لم يكونوا ملتزمين بتجربة ديمقراطية معينة، ولا بمبادئ ديمقراطية معينة، بل كان بعضهم يخشى مما أسموه بدكتاتورية الأغلبية التي قد تؤدي إليها الديمقراطية. ولذلك جاء دستورهم شيئاً جديداً لا يمكن أن يوصف بالديمقراطي إذا ما قيس بالمبادئ الديمقراطية الصارمة. من ذلك أنه من الممكن ـ بل حدث ـ أن يكون الرئيس الفائز في الانتخابات أقل أصواتاً من منافسه. ومنها فكرة الكليات الانتخابية التي لا تقيد أعضاءها برأي ولايتهم، بل تجيز لكل واحد منهم أن يصوِّت لمن يراه صالحاً من المرشحين للرئاسة بغض النظر عن الأصوات التي نالها في الولاية.
لكن حتى هذا لم يحل الإشكال حلاً كاملاً؛ فما زال الشعب الأمريكي منقسماً في قضية العلاقة بين الدين والدولة، وما زالت الكتب فيها تكتب، والبحوث تُنشر، والقضايا ترفع، وهذا يعني أن التعددية ليست شيئاً حسناً في ذاته وبإطلاق. التعددية تكون حسنة إذا ما كانت إيجابية، وهي لا تكون كذلك إلا إذا كانت ضمن إطار ثقافي جامع؛ أي ضمن هوية جامعة. فتعددية الهويات المختلفة المتناقضة: هي مشكلة يجب أن تعالج وليست واقعاً يحافظ عليه، أو يتباهى به، كما يفعل كثير من الناس الآن في السودان وغيره؛ وذلك لأنه لا يسهل مع مثل هذه التعددية تحقيق استقرار سياسي، ولا يسهل معها من ثَمَّ تطور اقتصادي، أو علمي أو تقني. هذا هو المتوقع عقلاً، وهو الذي تدل عليه تجارب الأمم قديمها وحديثها.
قد يقال: لكن هذه هي الولايات المتحدة تتباهى بأنها أمة واحدة رغم أنها تكونت من مواطنين من أجناس متعددة، وديانات متباينة، ولغات مختلفة، وثقافات متناقضة. نعم! لكنها لم تصر أمة واحدة إلا حين صهرت هذه المكونات كلها في بوتقة، وأخرجت منها شيئاً واحداً متجانساً. يمكن لذلك أن نقول: إن التعدديات نوعان: تعددية صحن السَلَطة الذي يحتفظ كل مكون من مكوناته بلونه وطعمه وملمسه: فهذا طماطم، وهذا جرجير، وهذا عجور، وهكذا. وتعددية القِدر الذي توضع فيه كل المكونات، من لحم، وخضار، وملح، وبهارات لتطبخ إداماً واحداً ذا طعم واحد، وربما لون واحد. هذا الأخير هو الذي يقال: إن الولايات المتحدة فعلته، إنها كما يحلو لهم أن يقولوا بوتقة melting pot جعلت من مكوناتها أمة أمريكية واحدة. يقول كاتب أمريكي: لقد كانت الأمركة عملية انسجام قسري كانت الولايات المتحدة فيها بمثابة البوتقة لا النسيج ذي الألوان والصور المختلفة. لم يكن ينظر إلى المجتمع الأمريكي على أنه قطعة من روسيا؛ قطعة من إيطاليا، وقطعة من بولندا مزج بعضها ببعض، كلا! بل إن القوميات المختلفة جُعلت أمريكية كما ينقى المعدن الخام ليصير ذهباً خالصاً. الأمركة نقتهم وأزالت خبثهم. إن أصحاب موكب حركة البوتقة لم يكونوا يحتفلون بالتسامح، ولكن بالخضوع لمفهوم ضيق للقومية الأمريكية، بتصوير الأجانب بأناس في أزياء غريبة، ينغمسون في قدر كبير، ويخرجون منه نقيين بهندام جميل، ولهجة أمريكية خالصة، ومنظر أمريكي؛ أي أمريكان إنجليز(1).
كيف يقال: إن أمريكا تؤمن بالتعددية، وهي زعيمة الغرب الذي ما زال يسعى لقتل الثقافات الأخرى، ولأن تكون ثقافته هي المهيمنة على العالم؟ اقرؤوا في هذا ـ إن شئتم ـ كتاب (إدوارد سعيد) الاستعمار الثقافي(Cultural Imperialism) ، بل إنهم ليعدون ثقافتهم جزءاً من قوتهم التي يسمونها بالقوة الناعمة أو اللينةsoft power في تقرير جديد للجنة استشارية من لجان الكونغرس فيه تقويم لسياسة الحكومة الأمريكية، ونقد لها جاء قولهم: كنا نتحدث حتى الآن على افتراض أن الهوية شأن داخلي في وطن من الأوطان، لكن الواقع ليس كذلك. فالعلاقة بين الوطن والهوية لا تكاد تكون علاقة مطابقة. وهذا يسبب مشكلات كثيرة منها:
- أنه كما أن تعدد الهويات في الوطن الواحد قد يؤدي إلى تمزيقه؛ فإن اتحاد الهويات في أوطان متعددة قد يؤدي إلى توسيع للحدود الوطنية، بضمّ بعض الأقطار إلى بعض، أو بالتعاون الوثيق بينها الذي يجعلها كالوطن الواحد، كما هو الحال الآن في الاتحاد الأوروبي.
- لكن هذا التوحيد أو التمزيق لا يحدث في الغالب إلا بطريقة عنيفة. وفي هذا يقول المؤرخ الإنجليزي (لويس ناميير): «إن الدول لا تتوحد أو تُحطم، والحدود لا تُمحى أو يعاد رسمها بالحجج وصوت الأغلبية. إن الأمم تحرر وتتوحد أو تمزق بالحديد والدم، لا بالتطبيق الكريم لمبدأ الحرية».
- بما أن مصالح المواطنين في أرض معينة لا تكاد تكون محصورة في حدود أرضهم، ولا سيما في عصرنا هذا الذي تشابكت فيه المصالح بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ العالم؛ فإن مفهوم الدولة الوطنية بدأ يتضاءل، وتحل محله تحالفات أو اتحادات بين دول متعددة. ولكن هذه التحالفات لا تنجح إلا إذا كانت مبنية على هويات مشتركة. خير مثال على ذلك (الاتحاد الأوروبي) الذي لم يجد مشكلة في ضم كل قطر ذي هوية أوروبية نوعاً ما، لكنه يتلكأ في قبول (تركيا) ذات الهوية المختلفة، بالرغم من أنها دولة علمانية، وبالرغم من أنها غيرت في كثير من قوانينها لتوافق البلاد الأوروبية.
- بما أن التطور الهائل في وسائل الاتصال جعل من كرتنا الأرضية ما يشبه الوطن الواحد فقد ازداد حجم المشكلات التي تهم الناس باعتبارهم بشراً، وبغض النظر عن أوطانهم وهوياتهم. من أوضح الأمثلة على ذلك مشكلة (الخروق) التي بدأت تحدث في طبقة الأوزون، والتي تسببت في ارتفاع درجة الحرارة في الكرة الأرضية. وقد كان من نتائج كثرة ازدياد المشكلات المشتركة بين الناس أن كثرت المنظمات العالمية كثرة ليس لها مثيل في تاريخ البشرية.
- لكن بعض الدول القوية صارت تحاول إخضاع البشرية كلها إلى قيم نابعة من هويتها، أو خادمة لمصالحها؛ بحجة أنها قضايا إنسانية عامة لا ثقافية خاصة. ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما سمي بـ (الإعلان العام لحقوق الإنسان) الذي يقول كثير من نقاده حتى من الغربيين: إن كثيراً من بنوده لا ينطبق عليه وصف الحق الإنساني، والذي يرى بعضهم أن كثيراً منه تعبير عن ثقافة معينة هي الثقافة الغربية. بل إن بعض الجهات المؤثرة صارت تستغل الأمم المتحدة نفسها لإلزام الأمم كلها بقرارات نابعة من قيمها، ومنها قضية المرأة.
نخلص من هذا كله إلى أنه على المسلمين في بلد: كالسودان أن لا يُخدَعوا بما يقول لهم مثلاً الزعيم (قرنق) من أن علينا جميعاً أن نجتمع باعتبارنا سودانيين فحسب، وأن نجعل الدين أمراً شخصياً؛ لأن الأديان تفرقنا والوطن يجمعنا. إن "قرنق" لا يتحدث هنا باعتباره سودانياً فحسب، بل ولا باعتباره جنوبياً فحسب، وإنما يتحدث باسم الحضارة الغربية وقيمها.
إن تخلّي المسلمين عن دينهم في حياتهم العامة ليس استمساكاً بوطنية لا هوية فيها كما يدعي (قرنق)، وإنما هو إحلال للهوية الغربية محل الهوية الإسلامية.
********************
الدولة الديمقراطية قبل المدنية أو الدينية
د/ فهمي هويدي
المصدر: http://www.aljazeera.net/
أرأيت كيف استدرج الناس في مصر إلى الجدل حول المفاضلة بين الدولة المدنية والدولة الدينية، في حين أننا لم نخط خطوة تذكر باتجاه تأسيس الدولة الديمقراطية.
(1)
هي "موضة" الموسم إن شئت الدقة، أن يتنافس نفر من المثقفين على مديح الدولة المدنية وهجاء الدولة الدينية وأن تروج وسائل الإعلام لذلك الجدل، الأمر الذي دفع كثيرين إلى الركض وراءهم ومحاولة الترجيح بين الكفتين، لذلك لم يكن غريبا أن تتعدد الندوات، التي تعقد لهذا الغرض، وكنت واحدا من "ضحايا" هذه الموضة، حيث لم يتسع وقتي هذا الشهر لأكثر من المشاركة في ندوتين، إحداهما في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، والثانية بكلية الطب في جامعة عين شمس.
وما كان للناس أن ينشغلوا بهذا الموضوع لولا كثافة الضخ الإعلامي، الذي تناول الموضوع، ونقل البلبلة والحيرة إلى قطاعات عريضة في المجتمع. ذلك أنه في غيبة رؤية واضحة لترتيب أولويات المرحلة، فإن المثقفين المهيمنين على منابر الإعلام باتوا يفرضون اهتمامهم وحساباتهم على الرأي العام، بل أصبحت ضغوطهم تؤثر أيضا في القرارات التي تتخذ، بحيث بدا بعضها مستجيبا للضجيج والضغوط الإعلامية أكثر من استجابته للمصالح الوطنية العليا.
| " ما كان للناس أن ينشغلوا بموضوع الدولة المدنية والدينية لولا كثافة الضخ الإعلامي، الذي تناول الموضوع، ونقل البلبلة والحيرة إلى قطاعات عريضة في المجتمع " |
ورغم أن فكرة المجتمع المدني ظهرت في أوروبا في القرن الثامن عشر، وكانت موضوعا للمناقشة بين الفلاسفة والمفكرين، فإن المصطلح تم تداوله في مصر والعالم العربي منذ ثلاثة عقود تقريبا، برز خلالها الحديث عن منظمات المجتمع المدني، التي كانت قد نمت وتعاظم دورها في المجتمعات الغربية، وهو أمر لا يخلو من مفارقة، لأن الغربيين نقلوا عنا فكرة الوقف في القرن الثامن عشر، ثم استوردنا نحن منهم مصطلح المجتمع المدني في القرن العشرين.
في الثمانينيات حين برز مصطلح المجتمع المدني في وسائل الإعلام. أثار ذلك انتباه الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، فاستفسر عنه قائلا: إنه يعرف المجتمع المكي والمجتمع المدني الذي يميز أهل مكة والمدينة في الحجاز. ويعرف أيضا المجتمع المدني، الذي يعد نقيضا لذلك الذي يحكمه العسكر. كما يعرف المجتمع المدني المشتق من المدينة بمعنى الحضر، وهو متميز عن المجتمع القروي أو الريفي، ثم سألني: هل المجتمع المدني الذي يتحدثون عنه يندرج تحت أي من التصنيفات؟
(2)
ليس الشيخ الغزالي وحده الذي التبس عليه الأمر. لأنني من خلال الندوات التي حضرتها متحدثا أو مستمعا أدركت أن المصطلحين (الدولة الدينية والمدنية) بحاجة إلى تحرير، وإن الالتباس واقع فيهما إلى حد كبير، وهو ما دفعني إلى الرجوع إلى ما أمكن الوصول إليه من مراجع ودراسات حول الموضوع. كما أنني قمت في الوقت ذاته بتجميع القصاصات والمقالات التي تناولته في الصحف على الأقل.
الكلام في تعريف الدولة الدينية كان التوافق حوله أكبر. ذلك أنه لم يخالف أحد في أنها الدولة التي يدّعي القائمون عليها أن بقاءهم اختيار من الله وأنهم يمثلون إرادته سبحانه وتعالى، وبالتالي فإنهم لا ينطقون عن الهوى، ولكنهم مفوضون عن الله، لذلك فإن كلامهم لا يرد، وعصيانه لا يعد خروجا عن الطاعة فحسب، ولكنه يعد خروجا من الملة وتحديا لإرادة الله، النموذج الذي يضرب به المثل في هذا الصدد هو ممارسات الكنيسة التي سنعرض لبعضها بعد قليل.
| " الدولة المدنية ليست نقيضا للدين ولا تستبعده، ولكنها تحتوى المؤسسات الدينية وغير الدينية، وتفتح ذراعيها لإسهام الجميع في تحقيق المقاصد العليا للمجتمع " |
ومن الفلاسفة من يتحدث عن بعد أخلاقي للدولة المدنية، إذ يرون أنها لا تقوم فقط بقيام المؤسسات وتحقيق المساواة بين المواطنين، بل تقوم أيضا بتحقيق الرقي في السلوك الاجتماعي، الذي بمقتضاه تسود قيم وأخلاق المدن التي يفترض أنها الأكثر تهذيبا. وفي الوقت ذاته فإن الدولة المدنية لا تأبه بالمرجعيات ولا تتدخل في عقائد الناس وأفكارهم. إذ لا تهم مرجعيتك التي تنطلق منها، ولكن الأهم هو أداؤك واحترامك للنظام العام والقانون. وهي ليست نقيضا للدين ولا تستبعده، بل تحتوي المؤسسات الدينية وغير الدينية، وتفتح ذراعيها لإسهام الجميع في تحقيق المقاصد العليا للمجتمع.
(3)
هل عرفت الخبرة العربية والإسلامية الدولة الدينية بالمعنى المتقدم، وهل يمكن أن يكون لها وجود في زماننا؟ ــ ردي على هذا السؤال أنه منذ انقطاع الوحي عن النبي محمد عليه الصلاة والسلام، فإنه لم يجرؤ أحد من حكام المسلمين على ادعاء أنه مفوض من الله. وقد اعتبر الإمام محمد عبده فيما نشر له أوائل القرن الماضي أن قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها بمثابة أصل من أصول الإسلام. وقال إن الإسلام: هدم بناء تلك السلطة ومحا أثرها، حتى لم يبق لها عند الجمهور من أهله اسم ولا رسم. وإنه: ليس لمسلم مهما علا كعبه في الإسلام، ومهما انحطت منزلته فيه إلا حق النصيحة والإرشاد. مضيفا أن الخليفة عند المسلمين ليس بالمعصوم ولا هو مهبط الوحي. إذ الأمة هي التي تنصبه، وهي صاحبة الحق في السيطرة عليه، وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها، فهو حاكم مدني من جميع الوجوه.
وأضاف الأستاذ الإمام في رده على فرح أنطون صاحب مطبوعة "الجامعة" أنه: لا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الإفرنج (ثيوكراتيك) أي سلطان إلهي. فإن ذلك عندهم هو الذي ينفرد بتلقي الشريعة عن الله، وله في رقاب الناس حق الطاعة.. وهكذا كانت سلطة الكنيسة في العصور الوسطى، ولا تزال تدعي الحق في هذه السلطة. وكان من أعمال التمدن الحديث الفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية.
وهو يدلل على نفوذ السلطة الدينية في التجربة الغربية، بمنشور أصدره البابا في سنة 1864 لعن فيه كل من يقول بجواز خضوع الكنيسة لسلطة مدنية أو جواز أن يفسر أحد شيئا من الكتب المقدسة على خلاف ما ترى الكنيسة أو يعتقد أن الشخص حر فيما يعتقد. وفي منشور له سنة 1868 قال إن المؤمنين يجب أن يفدوا نفوذ الكنيسة بأرواحهم وأموالهم، وعليهم أن ينزلوا لها عن آرائهم وأفكارهم.
| " الدولة الدينية تجربة غربية بالأساس قدمت الكنيسة نموذجا لها في العصور الوسطى, وليس لها مثيل في خبرة المجتمعات الإسلامية " |
الخلاصة أن الدولة الدينية تجربة غربية بالأساس قدمت الكنيسة نموذجا لها في العصور الوسطى. وليس لها مثيل في خبرة المجتمعات الإسلامية، وليس صحيحا ما يدعيه البعض من أن النظام الذي قام في إيران بعد ثورة 1979 الإسلامية يعد نموذجا للدولة الدينية بمفهومها التقليدي، ذلك أنها رغم التزامها النسبي بالتعاليم الإسلامية، فإن النظام هناك ليست له قداسة من أي نوع.
فرأس الدولة (المرشد أو القائد) لم يدع أنه يحكم باسم الله أو مفوض منه، ومعارضوه لم يطعن أحد في دينهم، ولم يكفرهم أحد. حتى "مجاهدي خلق" الذين أشهروا السلاح في وجه النظام ولا يزالون يدعون إلى إسقاطه بالقوة فإنهم اتهموا فقط بأنهم "منافقون"، ولم يخرجهم أحد من الملة. وللعلم فإن صلاحيات المرشد هناك فيما يوصف بأنه دولة دينية كانت أقل من صلاحيات الرئيس السابق مبارك (في دستور عام 1971). ذلك أن الأول لا يملك حق حل البرلمان المنتخب من الشعب، في حين أن مبارك كان مخولا ذلك.
(4)
عندي أكثر من ملاحظة على الإلحاح على المقابلة بين الدولتين الدينية والمدنية وهي:
* أن استدعاء فكرة الدولة الدينية التي اندثرت في الغرب ولم يكن لها وجود في الخبرة الإسلامية يستدعي أكثر من سؤال، أحد تلك الأسئلة ينصب على الدافع إلى ذلك، والثاني يتعلق بإمكانية تحقيقه على أرض الواقع. ذلك أنه في زماننا يتعذر على أي سلطة أو شخص أن يدعي أنه مفوض من الله أو يتحرك باسمه. وفي أسوأ المفروض وأبعده فإنه لو فعل ذلك فلن يجد من يصدقه أو يمشي وراءه.
* أن استدعاء فكرة الدولة الدينية التي اندثرت في الغرب ولم يكن لها وجود في الخبرة الإسلامية يستدعي أكثر من سؤال، أحد تلك الأسئلة ينصب على الدافع إلى ذلك، والثاني يتعلق بإمكانية تحقيقه على أرض الواقع. ذلك أنه في زماننا يتعذر على أي سلطة أو شخص أن يدعي أنه مفوض من الله أو يتحرك باسمه. وفي أسوأ المفروض وأبعده فإنه لو فعل ذلك فلن يجد من يصدقه أو يمشي وراءه.
* أن الذين فاضلوا بين الصيغتين لترجيح كفة الدولة المدنية لم ينشغلوا بمسألة الديمقراطية، التي يمكن أن تغيب في الحالتين. وهو ما يعطي انطباعا قويا بأن إصرارهم على طمس أي هوية دينية -إسلامية تحديدا- بدا أقوى من حرصهم على تأسيس الدولة الديمقراطية، وللعلم فإن كل المستبدين في العالم العربي يباشرون سلطانهم ويرتكبون جرائمهم في ظل دول مدنية وبعضها موغل في مدنيته.
* أن استحالة إقامة الدولة الدينية مع استمرار هجائها والتنفير منها، وكيل المدائح للدولة المدنية، لا يمكن تفسيره إلا بأن المراد به التنفير والتخويف مما هو منسوب إلى الدين، خصوصا في ظل الصعود الإعلامي للتيارات الإسلامية في المجتمع المصري بعد ثورة 25 يناير. وإذا صح ذلك فإن الجدل الراهن حول الدولتين يصبح في حقيقته جزءا من التعبئة التي تمهد للحملة الانتخابية المقبلة، في شهر سبتمبر/أيلول.
| " الإلحاح على إقصاء الإسلام بحجة مدنية الدولة لا يعيد إنتاج خطاب النظام الإقصائي السابق فحسب، ولكنه يشكل تحديا بل عدوانا صارخا على إرادة الأغلبية الساحقة من المصريين " |
* يؤيد النقطة السابقة أن الذين دأبوا على هجاء الدولة الدينية تحدثوا عن الإسلام بلغة المستشرقين. فقد انطلقوا من أنه ينفي الآخر ويقمعه، رغم سجله المشهود في احتواء الجميع باختلاف مللهم ونحلهم. كما أنهم تجاهلوا تماما الخبرة المدنية العريضة في التجربة الإسلامية، التي حققت نجاحات كبيرة على مدار التاريخ ممثلة في الأوقاف التي ظلت تؤدي دور الرافعة للمجتمع الإسلامي، ولا تزال تؤدي دورها الحيوي حتى الآن في المجتمع التركي.
إن الإلحاح على إقصاء الإسلام بحجة مدنية الدولة لا يعيد إنتاج خطاب النظام الإقصائي السابق فحسب، ولكنه يشكل تحديا بل عدوانا صارخا على إرادة الأغلبية الساحقة من المصريين، الأمر الذي قد تكون له عواقبه الوخيمة على الاستقرار والسلم الأهليين.
إنني أخشى من استمرار إشغال الناس بجدل مشكوك في براءته ومقاصده حول الدولة الدينية والدولة المدنية، فنبدد طاقتنا ونضيع وقتنا، وننشغل عن إقامة الدولة الديمقراطية، التي هي المشكلة وهي الحل.
***********************
عن المجتمع المدني ودوره في تطوير وانماء الدولة
هذه روابط للاطلاع قبل تلخيص المواضيع المطروحة حول محور المجتمع المدني والتعليق عليها:
http://www.startimes.com/f.aspx?t=27476996
http://www.univ-biskra.dz/fac/droit/revues/revumofakir/sommaire/R3/mf3a7.pdf
......يتبع
عن المجتمع المدني ودوره في تطوير وانماء الدولة
هذه روابط للاطلاع قبل تلخيص المواضيع المطروحة حول محور المجتمع المدني والتعليق عليها:
http://www.startimes.com/f.aspx?t=27476996
http://www.univ-biskra.dz/fac/droit/revues/revumofakir/sommaire/R3/mf3a7.pdf
......يتبع