Messages les plus consultés

خواطر من ثورة النفس - س.ع

الفـاروق عمر 

            
أول ما يطفو على لساني كلما تذكرته أنني أحبه بعد حبيب الله وحبيب المسلمين محمد – صلى الله عليه وسلم. سمعت عنه الكثير وقرأت عنه المزيد وما شعرت به عند قراءتي عن شخصيته في كتاب "عبقرية عمر" لعباس محمود العقاد" فاق ما يمكنني التعبير عنه بقلمي.

لست أجرؤ على الإدعاء بالوصول بذاتي إلى مثل شخصيته لكنني لا أغالي إن قلت بتقارب مقومات نفسه لمقومات نفسي وولعي بكل ما تبرزه شخصية هذا العبقري من جمال يبعث الضياء في نفس كل حر من البشر وليس المسلم فحسب.
إنه عمر الفاروق! الذي أعز الله به الإسلام بدعاء من نبيه الأمين. عمر الذي تحول من محارب للمسلمين، وهو جاهلي، إلى محارب للظلم والكفر في كنف صاحبه وحبيبه محمد –صلعم -.   
عبقريا كان في إسلامه، في خصاله المتناقضة، و في إدارته لشؤون الدولة التي بدأت تترعرع على يده في مظهرها المدني.

            العدل بعد عمر ناقص، والغيرة بعد عمر تفتقر لمسحة الدين التي أكملت فيه أركان المروءة. ورحمة الحكام المنزهة عن كل رياء بعد الفاروق، ظلت في انقراض إلى أن تلاشت بعد الناصر صلاح الدين.  
لو عدنا إلى التواضع لوجدناه القدوة، أو عرضنا لنصرة الدين عنده لكان لزاما علينا التواري أمامه، أما إدارة الدولة فهو بلا ريب السباق إليها عند المسلمين.
الإسلام عند الفاروق كان مبعث مواهبه وقدراته وتسلسل مظاهر العبقرية في إدارة شؤون الحكم عنده، وأي نطاق للحكم آنذاك؟! وهو أمير للمؤمنين على رقعة شاسعة توزع عليها المسلمون مع الفتوحات المتتالية واتساع المنطقة الخاضعة لدار الإسلام.
     
          " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟! "، " الإسلام قد سوى بينكما "، " …إذا رأيتم أخا لكم زل زلة فسددوه ووفقوه، وادعوا له الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه"، " أعقل الناس اعذرهم للناس"،   " ليس خيركم من عمل للآخرة وترك الدنيا، أو عمل للدنيا و ترك الآخرة، ولكن خيركم من أخذ من هذه ومن هذه.  وإنما الحرج في الرغبة فيما تجاوز قدر الحاجة وزاد على حد الكفاية…"، " ولا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني.. وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، وان الله تعالى يرزق الناس بعضهم من بعض" و أخيرا دون الحصر " لست بالخب، ولكن الخب لا يخدعني" وهو القول الذي تعمدت ذكره أيضا لأنه يدرك الدهاء والرغبة الشديدة في التميز عند غيره في الأفعال والأقوال ولكنه إن أجازهما لبعض الاختلاف وبعض الظروف فهو لا يجيزهما لنفسه ولأسباب مختلفة.   

       بعض من أقوال الفاروق سردتها لأنها وحدها تغنينا عن تعداد مناقبه، ووحدها تنطق بجمال روح وعقل الفاروق. على قدر شدته على قدر لينه و رحمته، ومع هذا هو صاحب غيرة وحرمة على دينه وأمته وموطنه إنما لا تجد الغيرة مما لدى سواه سبيلا إلى نفسه.
على قدر التزامه بالعقيدة على قدر تمدنه وإدارته لشؤون الحياة والدولة، ومثلما هو الخليفة المشهور بدرته[2] كذلك هو الخادم لمن وجده في حاجة لمعين حتى في شؤون البيت.           
أتراه وهو ابن الخطاب الذي عرفه المسلمون في عهد الرسول – ص – بغاية الشدة في أمور الدين حتى كان المسلمون يخشونه أكثر من نبيهم وهو بين ظهرانيهم، يؤكد على المظهر الجميل والهالة الشامخة للمسلم مع تقيده بتعاليم دينه؟! ...هو القائل " ارفع راسك فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب، فمن اظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما اظهر للناس نفاقا إلى نفاق." .. كان يعجبه الشاب الناسك نظيف الثوب طيب الرائحة. ومن عظاته في هذا الأمر قوله: " لا تنظروا إلى صيام أحد ولا إلى صلاته، ولكن انظروا من إذا حدث صدق، وإذا ائتمن أدى، وإذا أشفى – أي هم بالمعصية – ورع ".


[1] بمعنى أن هذا القائد الفريد من نوعه عدلا ورحمة وقوة و إدارة هو معدن حر صقله صاحبه ومعلمه الإنسان و النبي و الرسول الصادق الأمين.
[2] عصا رقيقة كان يستعملها لتنبيه المخالفين وتذكيرهم بهيبة القانون.

أتراه وهو على هذه الدرجة من التقوى لا تجف عيناه من البكاء في كل مرة يكون الحديث عن الجنة والنار فيخشى على نفسه أن يكون من صاليها حتى لو لم يدخلها من البشر إلا واحد.
عمر الخليفة القائد الورع، ضليع متمكن في الأدب من خطابة، تعتمد على موسوعة لغة شهد له بها من عاصره، وشعر يحفظه ويتذوقه ما لم يخالف الأخلاق والعقيدة. ملم بالتاريخ والجغرافية؛ و كان- لمدى إدراكه قيمتها بالنسبة للحكام - يطالب الولاة على الأمصار بالإلمام بكل ما يتعلق بالمناطق التي يتولون شؤونها... .       

         قال فيه علي – كرم الله وجهه - وهو حينها حديث عهد بالإسلام : " ما علمت أن أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا، إلا عمر ابن الخطاب، فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه وانتضى في يده أسهما واختصر عنزته ومضى قبل الكعبة والملا من قريش بفنائها ..فطاف في البيت سبعا متمكنا، ثم أتى المقام فصلى، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة يقول لهم: شاهت الوجوه[1]! .. لا يرغم الله إلا هذه المعاطس! .. من أراد أن يثكل أمه أو ييتم ولده أو يرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي ...".
وقال فيه الصحابي الجليل عبد الله ابن مسعود : " كان إسلامه فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت إمارته رحمة."
أما معاوية رجل السياسة الأول آنذاك فقال مقارنا: " أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده .. وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها .. وأما نحن فتمرغنا فيها ظهرا لبطن ".
ومع ما اخترت من أقوال من عايشوه، لعل ما وجدته معبرا عما يدور بخلدي قول عمرو بن العاص فيه: " لله در ابن حنتمة[2]! أي امرئ كان". وأعمق مفادا، كذلك، قول علي – رضي الله عنه – يوم بكاه حين مات مقتولا:       " ابكي على موت عمر. إن موت عمر ثلمة في الإسلام لا ترتق إلى يوم القيامة". 

     ماذا يسعني تذكره من خصاله ومآثره وأقواله لأذكرها هاهنا؟ أحجام عديدة من المجلدات هي ما يمكن أن يسع الخوض في سيرته؛ إنه وحده أمة وآية في البشر العاديين من المسلمين فيما عدا الأنبياء والرسل، إنه من قال فيه المصطفى –ص -: "لم أرى عبقريا يفري فريه!" لا مراء إذن، لو خطر على بال احدنا أن "الإسلام هو من دعا عمر إليه قبل أن يفكر عمر في الارتماء في حضن الإسلام".... للحديث بقية لا ريب في مقال لاحق للإسهاب في التحليل في الأقوال التي دعمنا بها مقالنا. ولكن.. هلا استوعب قارئ مقالي هذا أنني بكتابته لا أراني السباقة في التعريف بهذا القائد المسلم، إنما الدافع هو التنبيه إلى أن عمر الإنسان، تلميذ محمد النبي، مدرسة لمن يمتلك نفس معالم الإنسان فيه. 


***************

            في اتجاه فلسفي
        نولد في يوم من الأيام مع أول صيحة منا نستقبل بها الحياة الدنيا، نترعرع في جو فرض على كل منا بجماله أو بفظاعته، ثم نشب وتشرع النفس فيه تتعرف أكثر على كنهها وكنه محيطها من البشر وإدراك قيمة الماديات وتتعرف أكثر فأكثر على القيم الأخرى التي يقدمها المجتمع باختلاف الأزمنة والأمكنة والانتماءات. 
نصارع الحياة وكلنا يظن أنه عالم بنفسه وبمكنونات العالم أيما علم. نكبر وتكبر معنا أحلامنا وتتوسع معها آفاقنا، ثم ندرك تفاهة بعضها وعدم إمكانية تحقيق بعضها الآخر ويرسب في خلدنا الثلث الأخير منها آملا رؤية بصيص من نور ليبعث حيا.

       النفس فينا، تحيى وتنمو على مدى إذكائنا إياها بعشق الوجود الذي من أجله خلقنا، وليس بما يعرض علينا من أحداث وشرائع تسنها الأفراد متفقة فتصبح ناموسا يفرضه المجتمع على أفراد آخرين منه. 
 
    الخلاف الدائم المحتدم ما بين النفس والعقل والقلب خلاف دائم محتدم في ذات واحدة، وهذه الذات هي وحدها من يتحمل نتيجة طغيان أحد القادة فيها عن الآخر. كذلك قد يكون في هذا الاختلاف مصدر قوة للذات فينا.
عجبا لنا كيف ترانا نتغير بفعل تقلب هذا الثالوث وتأثيره أو بعضه في سلوكياتنا. وتتراكم الأحداث والخبرات لنعود بعد فترة من الزمن لنجد ذاتنا في حال غير ما كانت عليه وسلوكيات تختلف عما كانت عليه أيضا. 
كيف ترانا نفرق بين رغبات النفس فينا وأوامر العقل وآمال القلب بينهما. متى يمكننا التحكم في النفس؟ ومتى يكون للعقل سلطانا عليها؟ وأين محل الفؤاد بالنسبة لكليهما؟.
أي من الثلاثة يعتقد ويؤمن؟ وأيها يبرمج ويخطط؟ وأيها يتبع و ينفذ ؟ …يتبع

         
   ******************